حيدر حب الله

476

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر

ولعلّ ما ذكرناه هو التفصّي الذي اعتمده السيد الصدر من مثل هذا الدليل ، حيث حكم - كما قلنا - بصحّة الزكاة لو وقعت من دون قصد القربة . وقد يناقش بأنّ ظاهر الحديث نفي الوقوع ، وتنزيل هذه الصلاة أو الصدقة منزلة العدم ، فإذا دلّ الدليل في الخارج على إرادة نفي الكمال اخذ به ؛ لقيام القرينة ، وإلا بقينا على ظاهر الدلالة المذكورة ، وحيث لم يقم في المقام دليل لزم تفسير النفي بنفي الصحّة أو نفي الوقوع ، فيثبت استدلال السيد الخوئي . وقد يجاب - بعد التنزّل عن إشكالنا الأوّل المتقدّم - بأنّ هذا الكلام غير صحيح ، فإنّ لسان النفي رغم تحقّق الشيء ظاهراً لسان شائع في اللغة العربية والعرفيّة ، ويراد منه المبالغة كثيراً ، فأنت تقول : لا تقوى وجارك محتاج ، ولا تديّن عندك وأنت لا تصلّي في المسجد ، ولست بمواطن إذا لم تهتمّ بالقضايا السياسية ، فأنت لا تريد نفي التديّن مطلقاً ، ولا نفي المواطنة مطلقاً ، بل تريد نفي رتبة منهما ، فتبالغ لبيان أهميّة ذلك الشيء ، فتنفي أصل القضيّة . وشيوع هذا التعبير شيوعاً كبيراً في اللسان العرفي وفي النصوص ، هو الذي يجعلنا لا نستظهر منه إرادة نفي الوقوع أساساً إلا بقرينة ، فيكون المقصود بالحديث هنا : إنّ من ينفق إنفاقاً خيريّاً على الفقراء مثلًا إذا لم يقصد بذلك وجه الله ، فكأنّه ما فعل شيئاً ، ويراد من ذلك المبالغة في تصفية النيّة في أعمال الخير والإعانة ، فإنّ المؤمن هو من يعطي لوجه الله لا لمقابل . وربما يؤيّد ما نقول أنّ النصوص الحديثية عبّرت عن كلّ معروف بأنّه صدقة ، فقد ورد في الحديث الصحيح : « كلّ معروف صدقة » « 1 » ، وهذا معناه أنّ كلمة الصدقة لو

--> ( 1 ) الكلينيّ ، الكافي 4 : 26 ، 27 ؛ والقاضي النعمان ، دعائم الإسلام 2 : 320 ؛ والصدوق ، الخصال : 134 ؛ وكتاب من لا يحضره الفقيه 2 : 55 ؛ وابن شعبة الحرّانيّ ، تحف العقول : 380 ؛